Flag Counter

خطأ بملء هذه الخانة
حقوق النشر محفوظة لمركز آفاق مشرقية الذي يصرح بإعادة نشر المواد شرط الإشارة إلى مصدرها بعبارة [المصدر : مركز آفاق مشرقية] *** ونود التنويه إلى أن الموقع يستخدم تقنية الكوكيز Cookies في متابعة حركة الموقع


ليلة عادية في المعتقل

الكاتب : مروان العش

2018-12-04 | |

الهواء ممنوع على المعتقل ... نعم الهواء ممنوع في معتقل المخابرات الجوية في مطار المزة العسكري ... نحن في القبو الثاني (طابقين تحت الأرض) "جماعية أولى" يوم 16 كانون أول 2012، الزنزانة 6×4 متر أي بمساحة 24 متر مربع، أما عدد المعتقلين فكان فقط 123 معتقلاً، في زاوية الزنزانة حفرة "فنية" واحدة (مرحاض بدائي) ومغسلة وحنفية واحدة فقط.

ثلاثة من معتقلين "فصلوا" (التعبير العامي للانقطاع الذهني عن الواقع والذهان الشديد)، يتبولون ويتغوطون بمكانهم، وفي كل ساعة أنظف "تحتهم" كخدمة إنسانية تخلصا من الرائحة ... معتقل آخر فقد عقله، صراخ وهلوسة غير مفهومة وتصرفات جنون كانت عقابيل التعذيب الطويل بالكهرباء "ربطت لسانه" (أفقدته النطق) ... معتقلان اثنان مشلولان لا يستطيعان الوقوف جراء التعذيب بسبب كسر في العمود الفقري، الأول نتيجة الضرب المباشر بقطعة معدنية من قبل السجان وعصبة التحقيق، والثاني من القلمون، كسر ظهره بسبب الرفس الصاعق للرقيب أول علاء، لا يمشي أيضاً ويحتاج لمن يحمله ... كان توصيف "أطبائهم" لهذه الحالات من المعتقلين بيننا بسيطاً صارماً: "لا علاج ولا مسكنات، باستثناء مريض للسكري يعطى حقنة كل ثلاثة أيام".

لم يكن باقي معتقلي الجماعية أحسن حالاً بكثير، نصفهم مصابون بجروح قاطعة وعميقة وسحجات حمراء وخضراء وصفراء تصل للطبقة الثالثة للجلد البشري مع تقيحات وآلام، أخرون بعظام مكسرة ونزف دم تصاحبه روائح القيح والدم المتخثر، وآخر بعين "شبه مقلوعة" مصابة بالإزرقاق والتخثرات الدموية وقد فقدت الرؤية، خمسة من معتقلين مرض بالعشى الليلي (لا يستطيعون الرؤية ليلا)، أما باقي المعتقلين "المحظوظين" فمصابين بإسهال شديد أو متوسط بسبب التلوث نتيجة التعامل دائماً مع البراز وقذارة الطعام  والأيدي التي لا تُغسل لأيام، أما الأنكى إلى جانب كل ذلك فشريك المعتقل: القمل والجرب والقوباء وما تسبب من التهابات جلدية وإنتانات وآلام مبرحة دون دواء أو علاج ... والكل هنا مصاب.

كان من نزلاء الجماعية أولئك العائدون الناجون من الموت؛ "وجبة" من اثني عشر معتقلاً "نجوا" من الموت في  "مشفى 601 المزة العسكري" الذين كانوا يتلقون فيه العلاج!!!" فكتبت لهم الحياة من جديد بمغادرته، أحدهم نصفه الاسفل مغطى بالبراز (الغائط) لقضائه فترة "علاجه" التي امتدت لعشرين يوماً، قضائها "مجنزراً" يقضي حاجته في مكانه وعلى نفسه، فملئت الرائحة الكريهة السيارة العسكرية المغلقة (سيارة اللحوم) التي عادت به مع بقية المعتقلين من "مسلخ المشفى 601 العسكري"، ونال عناصر الدورية المرافقة نصيب من الرائحة، فناله الضرب طوال الطريق على يد كل أفراد الدورية: ضرب ورفس ودعس "لأنه لم يمت بالمشفى" كما كانوا يصرخون بين كل شتيمة للرب وأخرى للدين.

أيضاً المساعد "عزرائيل" كما كان يُسمى رئيس "مهجع" الجوية بالمشفى العسكري، أيضاً لم يقتله مع "وجبتة اليومية" من القتل على سبيل "التسلية" كما جرت العادة مع "عزرائيلات" المهاجع الأخرى للأمن العسكري في "المشفى"، كما أفاد معتقلون نجوا من القتل المتعمد في مشفى المزة العسكري، من أن رؤساء المهاجع والجنود وبعد تناولهم الأدوية المخدرة وحبوب الهلوسة حتى يظنوا بأنفسهم آلهة، كانوا يقتلون يوميا من لا يروق لهم من "المرضى المعتقلين"، كما أخبرني "أبو أسامة الشعراوي" من أن الرقيب المناوب "عزرائيل" الجوية قتل قبل أيام اثني عشر معتقلاً دفعة واحدة بعد أن أخبرهم أنه "مكلف من الله بقتلهم"، فكان يطلب من المعتقل الجلوس جاثيا، ليقتله بضربة واحدة ببوري "أنبوب" حديدي خلف الرقبة أو على الرأس مباشرة ثم يجر الجثة إلى الحمام، لُتجمع مع أخواتها بعد أيام وقد بدأت تتعفن، لُتنقل لمرآب بالمشفى حيث تغلف بالنايلون لحجب الروائح، ومن ثم تُنقل للحرق في احد المحارق العديدة، أو تُدفن في مقابر جماعية في أماكن مجهولة.

بالعودة إلى قصة الهواء الممنوع عن المعتقلين، فقد تعطل شفاط (إسبرتور/مروحة) الهواء المخصص للزنزانة "المصمتة" في القبو السفلي حيث لا يوجد إلا فتحة في الجدار إلى جانب الشفاط كانت مخصصة للتمديدات يخرج منها بعض الهواء الرطب والروائح الكريهة، لكن رغم ذلك كنا نتعطر وننتعش ونحن نتنشق أمام هذه الفتحة ٦التي لا يزيد قطرها عن 15 سينتمتر، لنأخذ عبرها القليل من الأوكسجين الرطب، أما الفرحة الكبرى فكانت عند فتح شراقة الجماعية (نافذة صغيرة في باب الزنزانة الحديدي)، ليبدأ جريان الهواء بين الفتحات الصغيرة والممرات الضيقة، ليبدأ المعتقلون بتنشق الروائح الكريهة "الجديدة" وكأنها عطور فقط للحصول على بعض من الأوكسجين الرطب، ليستمر الأمر لشهرين  بقي فيها الشفاط معطلاً ... نسيت أن أشير إلى أن درجة الحرارة في شتاء كانون أول/ديسمبر والتي تزيد عن الصفر في تلك الجهة الباردة غرب دمشق، كانت داخل الزنزانة الجماعية تقارب الثلاثينات مئوية بينما يقطر السقف بخار ماء ودماء الأجساد المتقيحة الرطبة وكأننا على شاطئ البحر منتصف الصيف.

ليس هناك من أوقات فراغ فالعمل كثير، ففي كل ساعتين كان يجري سحب "وجبة" جديدة للتحقيق لتبدأ حفلات شبح وصعق وضرب وتغطيس ماء وتكسير أطراف، حفلات تجري على إيقاع راجمات صواريخ  الكاتيوشا المسلطة على بلدة "داريا" القريبة (على بعد كيلومتر واحد)، إيقاعات قصف وموت كما وجبات التحقيق؛ لا تتوقف ليل نهار بمعدل دفقة من ستة وثلاثين صاروخاً كل بضع دقائق، عرفنا عليها من صوتها من كان معنا من عسكريين ضباطاً وأفراداً يحللون لنا الأصوات ومسافة الرمي وعدد الرمايات ونوعها.

 كان من بين المعتقلين المهندس "مجد مرعي" الشاب اللطيف ذو الابتسامة الجميلة كبلدته بلودان، رقيق عذب بإنسانيته وحلمه ببناء أضخم بناء سكني، لكنه أعدم لاحقاً في "مسلخ/سجن صيدنايا ... وكان معنا أيضاً المهندس الدمشقي "صفوان حجار" مبتكر طريقة "قص الحديد بالماء" التي استخدمت لإنجاز أضخم التشكيلات المعدنية للتصدير، وقد قُتل بدوره لاحقا تحت التعذيب ... أما "وليد بلطة" فكان قد فقد عينه نتيجة الضرب بعصا أثناء الخروج المحدد بثلاث دقائق ما بين المراحيض التي تعوم بالماء الآسن والبراز والقاذورات، وبين المنفردة التي نزلها قبل نقله لـ "الجماعية".

أيضاً كان معنا الدكتور "عبد الرحمن دياب"، الفلسطيني السوري ، مدير مكتب وزير العدل سابقاً والمدرس في كلية الشريعة، والدكتور الفلسطيني السوري "عمر محيبش" رئيس شعبة العظمية بمشفى دمشق (المجتهد) صاحب العيادة المعروفة في مدخل مخيم اليرموك ... أيضاً كان بيننا شيخ عشيرة من الحسكة، رجلٌ بسيطٌ طيب، نال من الضرب والإهانة مالا تحتمله الجبال، استهزأ المحقق والسجان به وأمامه بكل قبيلة وعشيرة سورية، رغم أنه كان معتقلاً بتقرير كاذب من رجل أسلفه دينا وحين طالب شيخ العشيرة الطيب باسترداد ماله؛ دبج المدين به تقريراً للمخابرات الجوية بالقامشلي بأن شيخ العشيرة يساعد الثوار بالمال والإعانات.

كان معنا طبيب أسنان من آل خطاب من دمشق، وكان معنا متهمي مجموعة تفجير "القزاز"، دكتور محمد العبد الله وصيدلي من عائلة الفاضل بدير الزور متعهدي معمل سكر دير الزور، وكانوا نعم الناس ... وكان معنا أيضاً بعضاً من مجموعة الجيش الحر في بلدة المليحة (غوطة دمشق) ... وكان معنا من "قصير حمص" مقدم طيار حوامات اسمه "عبد الكريم"، وكان معنا مجموعة من مدنيي بلدة "خيارة دنون" من مزارعين ورعاة ... أيضاً كان بيننا المهندس "أبو منير"، عقيد مهندس متقاعد خريج بريطانيا بتفوق، وكان بيننا رفاقنا الذين قتلوا وقضوا تحت التعذيب: أبو الزين وعمر عزيز ومنهل حمود.

كان معنا من بلدات "داريا والمعضمية" بعض من آل "غندور"، وكان معنا شاب من بادية حماة اعتقل لحيازته بندقية جد والده العصملية، لكن أيضاً كان معنا طفل ذي اثني عشر ربيعاً من آل "وهبي" في داريا، وكذلك الطفل "محمد" ذي الثلاثة عشر ربيعاً من دير الزور ... كان معنا "محمد الزين" من بلدة "بيت سحم" الي اعتقل تشابه أسماء مع آخر بنفس الاسم معتقل معنا للمفارقة هو وأخيه بائعي الحلويات المنحدران من حي المهاجرين الدمشقي.

لكن من طرائف الكوميديا السوداء أن كان بيننا مستخدم/آذن في وزارة المالية، كان يعمل أيضاً بائع "غزل البنات" ليكفي نفسه، قصير القامة كطفل، طوله متر وربع ووزنه ٣٥ كغ، معفى من الخدمة العسكرية، اتهم أنه رامي قاذف دبابات RBG يزن نصف وزنه.

كان معنا حلم الحرية والخلاص من الاستبداد، وقد غاب عنا في تلك الأوقات أي خوف أو وجل من الموت، فالموت كان هو الخلاص؛ للمصاب بدون علاج، وللمقعد بدون عون، وللعاقل الذي يرى الوحشية بأقذر أشكالها متمثلةً بالسجان وعصاه الخضراء، والكبل الرباعي، وسخانة/مشع الكهرباء التي تلسع جلده، وقطع إسمنتية بوزن خمسين كغ توضع على ظهره بينما تُربط أطرافه الأربعة ووجهه للأرض، وصراخ وزعيق وكفر بالله والدين وشتائم بذيئة وحقد أسود علنا بحق المعتقل والله ومحمد والاسلام والأنبياء وكل مقدس سماوي أو أرضي.

لكل معتقل قصة وسيرة حياة فريدة رائعة في الخارج، لكنهم كانوا جميعاُ "مشروع شهادة" في المعتقل، كانوا يملكون من العقول والمشاريع و الخطط والأحلام الكثير خدمة لبلدهم سوريا، لم يكن بينهم "متطرف" أو "إرهابي" واحد، كانوا جميعاً سوريون صدحوا بالحرية التي حلموا بها، وكان بعضهم من لا علاقة لهم بشيء بتاتاً وقد جلبه حظ عاثر أو تقرير كاذب أو تشابه أسماء لهذا المكان الخارج عن التاريخ والجغرافيا والإنسانية التي طبعت سوريا قبل غزو مغول العصر.

كان معنا كثر من دمشق وريفها والمحافظات ممن لفظوا أنفاسهم بيننا شهوداً على سفاحي العصر ... كانت بيننا "سوريا" تصرخ ألماً وتلفظ بعضاً من روحها مع كل نفس تغادرها تحت التعذيب.

مر اليوم، لكن وقبل بداية يوم آخر قبيل الفجر، دخل سجانو المجموعة المناوبة؛ خمسة وحوش فالته، دخلوا بالعصي الكهربائية والخضراء، ضربا ورفساً وتعفيساً في حفلة حقد وجنون بعد خبر مقتل قريب لأحدهم في جوبر، لينتقم من العزل والمرضى والمقعدين.

كانت ليلة واحدة فقط مرت علينا يوم 16/12/2012، لم تكن فريدة في أحداثها، بل ليلةً "عادية" لا زالت تتكرر في وطني الأسير منذ ثلاثة آلاف ليلة، هي حال معتقلينا، هي عقوبة لمن داخل المعتقل ورسالة لمن هم خارجه ... عندي الكثير لأكتب وأقول لكن يكفي اليوم هذه "الوجبة" في ليلة عادية في مُعتقل ... في وطني المُعتقل.

المعتقل مروان العش.

المادة المنشورة تعبر عن رأي الكاتب ولا يتبناها بالضرورة مركز آفاق مشرقية، ويتحمل الكاتب المسؤولية القانونية والعلمية لمضمون هذه المادة.

: تقييمك للمقال

التعليقات

كن أول من يكتب تعليقاً

اترك تعليقاً
1000
نشكر مساهمتكم والتعليق قيد المراجعة
حقوق النشر محفوظة لمركز آفاق مشرقية الذي يصرح بإعادة نشر المواد شرط الإشارة إلى مصدرها بعبارة "المصدر : مركز آفاق مشرقية" © 2017 Oriental Horizons. All Rights Reserved.