Flag Counter

خطأ بملء هذه الخانة
حقوق النشر محفوظة لمركز آفاق مشرقية الذي يصرح بإعادة نشر المواد شرط الإشارة إلى مصدرها بعبارة [المصدر : مركز آفاق مشرقية] *** ونود التنويه إلى أن الموقع يستخدم تقنية الكوكيز Cookies في متابعة حركة الموقع


إعدام مواطن ... إعدام وطن

الكاتب : محمد علي النجار

2019-02-22 | |

حكم الإعدام في بلادنا قرار سياسي، ضحيته بريء وطني بامتياز، قرار يصدره "مالك ووارث الوطن .. ودائماً بائعه"، ترتِّب إجراءاتِه المخابرات ويختم عليه القاضي وينفذه جيش الوطن ... أمر عاد للواجهة مؤخراً في أكثر من بلد عربي وبضجة كبيرة مستحقة، كان آخرها إعدام الشباب المصريين، لكن في سوريا كان الفعل أكبر بكثير من الضجة الخافتة التي بدت استكمالاً للمشهد العام للثورة السورية "اليتيمة".

أجهزة الاستخبارات في سوريا جزء من إبداعات زعيم الوحدة جمال عبد الناصر وتابعه التلميذ النجيب عبد الحميد السراج، إبداع ناصري استحق به لقب "الأب المؤسس" في كل عالم العرب من المحيط إلى الخليج ... في سوريا قامت هذه الأجهزة لاحقاً بتطوير العملية باستيراد أساليب التحقيق الإجرامية من ألمانيا الشرقية وبعض الضباط النازيين الذين كانوا على صلة بحزب البعث في سوريا على ما ذكرته بعض الروايات، وأضاف لها الكثير ضباط مخابراتها الذين يخوضون معارك الوطن ضد أبناء الوطن في معتقلات الوطن بعيداً عن جبهة معارك الوطن،  فقد قامت أجهزة الاستخبارات في سوريا بتطوير هذه الأساليب الإجرامية - في عهد حافظ الأسد وابنه - إلى الحد الذي فاق كل تصورات آباء الإجرام المؤسسين، حتى غدت لنصف قرن الركن الأول لتثبيت حكم الطائفة والتخلص من معارضيها؛ عبر القتل المباشر أو المحاكمات الصورية التي تتأرجح على إثرها الجثث على أعواد المشانق تاركة خلفها صورا من الرعب والأسى والألم المرير.

قصة واحدة من كواليس التحقيق في الجرائم ذات الطابع السياسي في بلادنا كافيةٌ لتفتح بصائر الناس على المجهول المخيف لأحكام الإعدام المتخفية خلف تُوَقُّرِ القاضي ومطرقته ونظارته وشعارات محكمته وأناقة وسائل الإعلام أو فظاظتها.

مطار المزة العسكري ...

كانت زنزانة فردية صغيرة ومعتمة كُتب على بابها الأسود الرقم "12" بلون أبيض باهت، كنا خمسة وكان ثلاثة منا يحمل اسم عبيدة، الأول ضابط سني في جيش الأسد متهم بقوله: لقد قتل مدنيون على يد جيشنا"، والثاني من مدينة الزبداني سجينٌ مخادع جَنَّدَه المحقق مقابل وجبة طعام إضافية أو ربما حمّامٍ ساخن كجاسوس يستدرج المعتقلين في الكلام ويرسل المعلومات إلى المحققين، والثالث من دير الزور يسكن دمشق، ورابعهم أنا وخامسنا موظف مسكين في شركة المياه من عائلة "النتوف" من دمشق.

جاءنا عبيدة من فرع "الآمرية" (آمرية الطيران) التابع للمخابرات الجوية، رجلاه متورمتان كباقي جسده، وفيهما آثار جروح عميقة قد غارت إلى العظم، لا زالت رغم مرور أيام طويلة على آخر جلسة تعذيب تفيض دما وقيحا.

كان عبيدة راكبا بسيارته رفقة صديقه محمود عندما أوقفهم حاجز للمخابرات الجوية وفتش السيارة فوجد فيها مسدسين، جيء بهما إلى فرع الآميرية، حُقق معهما وعذبا، سال الدم من وجوههم وأرجلهم وأيديهم، وصُعقوا بالكهرباء وعلقوا في الهواء، ولكن لم يكن لهما تهمة واضحة، إذ لم ينخرطا في الثورة ولم يشاركا فيها، ولكن المحقق - وإذ قد جاءته الفرصة حتى قدميه - فقد قرر أن ينهي الأمر على طريقته.

كان قد قُتل عميد في الجيش قريبا من منطقة سكن عبيدة، وبما أن القاتل لم يقبض عليه بعد فقد قرر المحقق أن يكون "الشاطر" الذي سيلقي القبض على القتلة.

بعد أن أحكم المحقق خطة تلفيق التهم أَحضر كلا من محمود وصديقه عبيدة، وبدأ يعذب أحدهما بينما يحقق مع الآخر ولا يترك الأول حتى يعترف الثاني وكذلك يفعل بصديقه.

إجراءات تلبيس الجريمة ...

أخرج المحقق صورة من درج طاولته وعرضها على المتهمَين هل تعرفان هذا الرجل؟ قالا: لا.

بدأت حفلة تعذيب سوداء أقر الشابان في نهايتها بأنهما يعرفانه، ولكنهما نسيا اسمه لهذا رجَوا المحقق بأن يذكرهم به، فقاله لهما بامتنان.

طلب المحقق من عبيدة أن يعترف بجناية قتل العميد، ولكن عبيدة لم يعرف هذا العميد ولم يسمع به من قبل، فأنكر أن تنسب له هكذا تهمة، وتحت صراخ صديقه محمود وأنينه؛ قرر عبيدة أن يريح صديقه فاعترف بما يريده المحقق، وقال: نعم أنا قتلته.

سأله المحقق: كيف قتلته؟ بدأ عبيدة يستحضر أكثر الطرق وحشية وإرضاء لنفسية المحقق المجرم وقال: لقد رششت سيارته ببندقية "كلاشنكوف" وأفرغت ما بقي من ذخيرة في جسده.

قال المحقق لزبانيته: إنه يكذب، عذبوه حتى يعترف بالحقيقة.

بدأت حفلة التعذيب لعبيدة ومحمود وفي نهايتها أقر عبيدة بأنه لا يتذكر بالضبط كيف قتله.

المحقق: يا عبيدة، لقد قتلتَه بمسدس ألا تتذكر.

عبيدة: نعم سيدي تذكرت لقد قتلته بالمسدس.

المحقق: كيف قتلته؟

عبيدة: لقد أفرغت ذخيرة المسدس كلها فيه.

المحقق: إنه يكذب، عذبوه حتى يعترف بالحقيقة.

وفي نهاية حفلة التعذيب اعترف عبيدة بأنه نسي.

المحقق: لقد قتلتَه حينها برصاصة واحدة في منتصف جبينه.

عبيدة: نعم تذكرتُ يا سيدي لقد أطلقت عليه رصاصة واحدة في وسط جبينه.

المحقق: ومن ساعدك في قتله؟

عبيدة لا أتذكر.

المحقق: لقد ساعدك محمود هو من أوقف السيارة الحمراء، وأنت من أطلقت النار بمسدس وطلقة واحدة في منتصف الجبهة، وقد ساعدكم في المراقبة فلان وفلان وفلان وحَفَّظه أسماء لم يعرفها من قبل، لعل بعضهم كان معتقلا، وبعضهم الآخر يُخطط لاعتقاله من قبل المخابرات الجوية السورية.

وهكذا بعد جلسات تعذيب طويلة حفظ عبيدة جريمته وبدأ يحكيها باحترافية بالغة كلما أخرجه المحقق وسأله عن جريمته.

بعد أيام أرسل إليه المحقق وقال له إنك لست القاتل يا عبيدة لقد وجدنا القاتل الحقيقي.

عبيدة: الحمد لله يا سيدي ألم أقل لكم لا علاقة لي بالثورة ولا أعرف حتى شكل الضابط قبل أن تريني أنت صورته.

المحقق: إذن أنت تنكر أقوالك المسجلة في ضبطك.. ابدؤوا بتعذيبه.

بدأت حفلة تعذيب وتكسير وكهرباء وتعليق لم ير عبيدة مثلها. في نهايتها اطمأن المحقق إلى أن عبيدة لن يفكر في إنكار جريمة القتل المنسوبة إليه، وخاصة بعد أن أعاد تمثيل الجريمة وحكايتها بكافة التفاصيل التي لقنه إياها المحقق وبذكر أسماء كل الشخصيات التي اقترحها سيادته ومنهم بالطبع صديقه محمود، وهكذا تم إلقاء القبض على شبكة المجرمين، وأرسلوا مع تقاريرهم إلى مطار المزة، ليستجوبهم محققون آخرون ابتغاء نزاهة التحقيق وشفافيته حيث تتطابق الأقوال، ثم يحول المتهمون الأبرياء إلى المحكمة الميدانية أو محكمة الإرهاب بما يناسب المكتوب في محاضر التحقيق من إعدام وما فوقه أو تحته.

عدة أيام قضاها عبيدة في زنزانتنا ملأت القلوب رعبا وألما، نودي عليه وأخرجوه من الزنزانة ولم نره بعدها.

المجرم البريء محمود:

بعد دقائق من خروج عبيدة فُتح البابُ وقذف إلينا بشاب نحيف رماه العناصر داخل الزنزانة وأغلقوا بابها، كان شابا من ريف دمشق، وما أن التقى بصره ببصرنا حتى سألنا؛ هل كان هنا شخص اسمه عبيدة ال....؟

نحن: نعم كيف عرفت ذلك؟

محمود: لقد عرفته من أظفر رجله المكسور، كانوا يوقفونه في الممر عندما أحضروني إلى هنا، هو متهم معي في نفس القضية، وقد حولوني الآن من فرع الآميرية ومعي أمي وأبي وزوجة أخي وأطفاله.

سألناه كيف؟

قال: كان أخي عضوا في تنظيم القاعدة، واعتقله النظام سنوات في سجن صيدنايا، ثم أطلق سراحه في بداية الثورة، وعندما ألقوا القبض عليَّ مع عبيدة سألوني عنه، فقلت لهم لا أعرف أين هو فقد اختفى، تحت التعذيب اعترفنا بمكان سكن أمي وأبي وزوجة أخي في قريتنا في ريف دمشق، تجهزت سرية من المخابرات الجوية اصطحبتنا معها حتى وصلنا إلى بيتنا وهناك تم اعتقال الجميع سوى أخي الذي لم يكن يأتي إلى البيت منذ خروجه من السجن إلا كل عدة شهور مرة.

سألته: لماذا أخرج النظام أخاك وأصدقاءه من السجن مع كونه عضوا في تنظيم القاعدة؟

محمود: لكي يعيدوا تشكيل التنظيم في سوريا بغية تشويه صورة الثورة أمام الرأي العالمي.

كان محمود شابا نحيلا رقيق العظام لا زلت أذكر بعد إحدى جلسات التحقيق عاد إلى الزنزانة واجما، سألتُه ماذا حدث؟ قال لي عذبوني بالكهرباء وعندما كنت ملقى على الأرض كان أحد العناصر يقفز فوقي بحذائه الضخم ويقول لي قتلكم وتعذيبكم عبادة يا خوارج! وقد حاول أن يكسر يدي بالوقوف قوقها ولمنه لم يفلح!

لم تكن عبارة "خوارج كلاب أهل النار" مما يستخدمها "العلوية"، وإلى اليوم كلما تذكرت هذه الحادثة أتساءل هل كان ذلك العنصر المجرم "علويا مثقفا" أم سنيًّا حفظ هذه الكلمات من بعض شيوخ الفتنة والسلطان ... أو ربما عنصر مخابرات زرعه رؤساؤه في تنظيمات مهمتها تخريب وتدمير وقتل ثورتنا.

عائلة محمود:

بعد أشهر طويلة نُقلت فيها بين ثلاثة سجون أخرى أُتِيَ إلى زنزانتي في فرع 248 بشاب يافع - من مدينة سرغايا على الحدود اللبنانية - كان معتقلا في المخابرات الجوية وكان يوزع الطعام على الزنازين أحيانا، حدثني عن قلقه في بعض الليالي السوداء من سماع بكاء طفل رضيع ينبعث في عتمة السجن، تتبع مصدر الصوت من الطاقة الصغيرة وتعرف على الزنزانة التي يصدر منها الصوت وسَمع فيما بعد عن الطفل الرضيع الذي كان يصرخ ويبكي في الليل، عن إخوته الصغار وأمهم المسكينة وجدهم وجدتهم البائسَين. لقد كانت تلك عائلة محمود.

بعد مرور ست سنوات لا أدري ما الذي حل بهما هل أصدر القاضي عليهم حكم الإعدام، وهل تأرجح جسدهما على إحدى أعواد الشنق في صيدنايا ذات ليلة من ليالي الشتاء الباردة، فصعدت أرواحهم إلى السماء حاملة كل آلام شعبنا وأوجاعه لتضعها بين يدي خالقها العظيم، أم نُفِّذ فيهم حكم الإعدام بإبرة هواء في الرقبة في فرع سرية المداهمة 215، أم قضوا في واحد من طواعين السجن وأوبئته التي قتلت الآلاف من المعتقلين الأبرياء، ولا زالت.

نعم هي قصة سورية، تمثل النموذج في أقصاه، لكنه نموذج يمكن تعميمه ليعرف العرب في بلاد العرب كيف ولماذا غادرت أرواح أحرارهم  أجسادها، ليتعرفوا على قضاء بلادهم ومخابراتهم من خلال رائحة الموت وأنين خشبة المشنقة التي تنوب عن صوت المظلوم المعلق، ليموت بعض من الوطن مع كل بريء يموت على أعواد مشانق سجاني الوطن، وآخرهم شباب مصر الأبرياء الذين غادرونا ظلماً منذ أيام لتخسر معهم مصر بعضاً من روحها وكثيراً من براءتها ... لكن المفارقة في الحالة السورية لا تكمن في المفاضلة بين الحرية المستحقة أو الإعدام ظلماً، بل المفاضلة بين استمرار الاعتقال حتى الموت تعذيباً أو الخلاص بالموت السريع بحبال المشنقة ... فأي جريمة للعالم بترك السوريين أمام هكذا مفاضلة عقاباً لتوقهم للحرية.

محمـد علي النجار / كاتب وباحث سوري

آفاق مشرقية

المادة المنشورة تعبر عن رأي الكاتب ولا يتبناها بالضرورة مركز آفاق مشرقية، ويتحمل الكاتب المسؤولية القانونية والعلمية لمضمون هذه المادة.

: تقييمك للمقال

التعليقات

كن أول من يكتب تعليقاً

اترك تعليقاً
1000
نشكر مساهمتكم والتعليق قيد المراجعة
حقوق النشر محفوظة لمركز آفاق مشرقية الذي يصرح بإعادة نشر المواد شرط الإشارة إلى مصدرها بعبارة "المصدر : مركز آفاق مشرقية" © 2017 Oriental Horizons. All Rights Reserved.