Flag Counter

خطأ بملء هذه الخانة
حقوق النشر محفوظة لمركز آفاق مشرقية الذي يصرح بإعادة نشر المواد شرط الإشارة إلى مصدرها بعبارة [المصدر : مركز آفاق مشرقية] *** ونود التنويه إلى أن الموقع يستخدم تقنية الكوكيز Cookies في متابعة حركة الموقع


من البرادعي إلى المعارضة السورية .. عار الفشل والتبرير

الكاتب : عبد الناصر كحلوس

2019-08-03 | |

فجر محمد البرادعي مفاجأة (كما زعم) في كتاب أصدره بالعربية والانكليزية حمل بالإنجليزية اسم "زمن الخداع / Age of Deception " فيما حملت النسخة العربية اسم "سنوات الخداع"، اتهم فيه إدارة جورج بوش الابن بتزوير الحقائق والتلاعب بتقارير وكالة الطاقة الذرية بهدف اتهام العراق بحيازة أسلحة دمار شامل تمهيداً لإعلان الحرب عليه ما أدى إلى كارثة إنسانية بشعة مع تدمير كامل لقدرات العراق اقتصادياً وسياسياً .. جريمة ما يزال الشعب العراقي يدفع ثمن تداعياتها حتى الآن.

بكثير من التفاصيل والكلام الممجوج سعى البرادعي في هذا الكتاب لتبرئة نفسه مما اقترفت يداه منذ سبعة عشر عاماً، مطلقا تقييماته واتهاماته لأشخاص قضوا أو غادروا المسرح السياسي  كجورج بوش الابن وديك تشيني وحسني مبارك وناجي صبري وغيرهم.

يُذْكَرُ أن محمد البرادعي شغل منصب مدير وكالة الطاقة الذرية لثلاث فترات من 1997 حتى 2005 كان خلالها مرضياً عنه من قبل الإدارات الأمريكية والغرب ما سمح بتمديد رئاسته لثلاث دورات  متتالية، كما مُنِحَ عام 2005  جائزة نوبل للسلام تقديراً لـ"خدماته الجليلة" خلال عمله في الوكالة!!!

هي "الصحوة المتأخرة" للبرادعي تماما كما بدأ يحدث الآن في أوساط المعارضة السورية وما وصلت إليه، والتي حاولتُ سابقاً جاهداً ولفترة الابتعاد عن تناولها لكي لا أعطيها قيمة معنوية لا تستحقها، لكن وجب ذلك الآن إذ يحاول بعض شخوصها العبث بما تبقى من نقاء وطهر في ثورتنا السورية العظيمة والتلاعب بمصيرها واستنزافها حتى الرمق الأخير ناهيك عن التلاعب بحقائق ما جرى عبر رواياتهم الملفقة والمحرفة وأدوارهم فيها.

بدأت في المدة الأخيرة تنتشر على وسائل التواصل الاجتماعي (كالفيس بوك والواتس آب) مقاطع مقروءة ومرئية ومسموعة أو منشورات على شكل مؤلفات ومذكرات لمعارضين، في مواقف يتهمون فيها الجميع بينما يبرؤون أنفسهم فيها من أخطاء في الأحداث (ونتائجها) والتي شاركوا فيها من يتهمونهم اليوم بالمسؤولية عنها؛ مواقف يظهرونها تارة بأخذ موقع المحللين السياسيين الأوفياء للثورة، وتارة بالحديث عن حسبهم ونسبهم أو بالحديث عن ماضيهم النضالي العظيم وطهرهم مقابل "قذارة الآخرين"، وتارة عن رفضهم لما جرى و تعففهم عن النهب ونأيهم عن الفساد، وأخيراً عن "فضلهم" لتركهم مواقعهم في مؤسسات المعارضة التي تصدرت وتصدروا من خلالها المشهد السياسي المعارض وعودتهم إلى صفوف جمهور الثورة (الذي دفع كل الثمن) بعد سنوات قد تصل إلى ثمانية قضوها في مواقعهم السابقة!!

يعتقد هؤلاء أن 100 أو 200 "لايك / إعجاب" هنا أو هناك تدل على قبول الناس برواياتهم وبهم كأبطال "ضحوا من أجل الثورة بمناصبهم "المكتسبة!!!" التي شغلوها في مؤسسات المعارضة والتي أضرت وأضروا من خلالها بالثورة أيما ضرر معتمدين على توقع "نسيان السوريين" لدورهم ومشاركتهم .. لكنهم واهمون؛ فذاكرة السوريين لا يمكن أن تنسى أعمالهم منذ ركبوا ظهر الثورة، ولا يمكن أن ينس السوريون من مثلوا  الفشل والفساد والارتزاق والتسلق، قد يسكت السوريين عنهم لفترة، لكنهم لا ينسون.

نعم ليس الكل سارق بالضرورة، لكن الكل فاسد بالمعنى الواسع للفساد الذي يحمل أيضاً معنى الفاشل المتمسك بموقعه مع عجزه عن أداء مهامه لجهله مع إدراكه لهذه الحقائق، وقد قلتها يوما لأحدهم من باب النصح: "المدير الجاهل  الشريف والمدير الحرامي القذر في النهاية سواء فكلاهما يوصلان أي مؤسسة للفشل والإفلاس"، فرغم اختلاف المقدمات الأخلاقية تبقى النتيجة واحدة، ومن يدفع ثمن تلك النتائج للأسف هو الشعب السوري عبر تفريطهم بتضحياته غير المسبوقة بدمه وماله وأمانه، ليصل الأمر  بالتفريط والتلاعب أو المشاركة أو التغطية على إهدار القليل مما يصل له من معونات يصل له على ندرتها إلا قليل القليل.

ربما ذنب هؤلاء (وإن كان بعنف أقل ومن نوع آخر) أكبر من جريمة نظام الأسد، فذاك ونظامه سر أبيه؛ معروف كمجرم مستبد وكعدو متوقع منه ما حدث، لكن ماذا قدم هؤلاء الذين ائتمنهم السوريون على ثورتهم واضعين بين أيديهم تضحياتهم معتقدين أنهم معارضون أشداء مخلصين باعتبار أن لهم ماضٍ في مقارعة الأسد والسجون، ومتغاضين عن "اللاماضي النضالي" لآخرين .. نعم، سؤال بسيط واضح مباشر ضروري: ماذا قدم هؤلاء للثورة؟

عملت وتعاملت وعرفت بعضاً من شخوص المعارضة السورية التي تعاملت معها وعرفت بعض شخوصها القدامى، منذ ربيع دمشق عام 2000 مروراً بإعلان دمشق عام 2007 وصولاً لانطلاق الثورة السورية عام 2011 .. لكن ومع الأسف، بعد انطلاق الثورة السورية لمست وراقبت كيف مات داخل أغلبهم "المعارض" الذي عرفت ليبقي جسداً واسماً لكن لشخص آخر يتقن فن السيرك واللعب على الحبال والتكتلات وقابل للخضوع لعملية "إعادة التدوير" بهدف البقاء في المنصب بأي ثمن!!!.

نعم؛ فمؤسسات المعارضة تشكلت من "خليط"؛ بعض قادم من الداخل بماضيه هربا من الاعتقال، وبعض من بقايا قيادات حويزبات مهترئة عفا عنها الزمن بقيت في الداخل تحت سلطة النظام وقد أتقنت وحفظت معاييره للعب دور معارضة له مرضي عنها من قبل النظام بحالة تشبه الطفيليات والجسم الذي تتغذى عليه و"تلمعه" ليكمل بعضهما الآخر (نظاماً ومعارضة الداخل)، وبعض أتى من الخارج ليخدم الثورة حيث " لا تُخْدًمُ  الثورة بدون كرسي " كما يرى، وبعض من الشخوص والحويزبات المعارضة التي عاشت في الخارج وعلى الهامش لعقود بدون نشاط، يضاف لهم شخوص عاشوا في الخارج لكن وطوال فترة حكم السفاحين الأب والابن لم نسمع عنه أو نسمع له موقفاً أو نشاطاً معارضاً، لا بل والأدهى من ذلك أنه لم ينجز أي من هؤلاء في الخارج شيئاً في مهجره الذي استقر فيه قبل الثورة ربما لعقود سبقتها، ليصل اللاجئون السوريون إلى كل بقاع الأرض دون أن يجدوا أي هيئة قديمة معارضة أو نشاط أو تشكيل سياسي أو اجتماعي أو ثقافي ولو كان نادي أو جريدة أطفال!! .. لكن تراهم يطلقون التنظيرات والمواقف الشكلية والعنتريات الكاذبة مزايدين على أبناء الثورة في الداخل أو من خرج منهم لاجئاً للخارج .. لكن رب قائل بأن أليس من حق هؤلاء ايضاً المشاركة بالثورة؟؟؟ .. طبعاً هو حق لكل سوري لكن كل من موقعه ومكانه، لا أن يسارع كالعلقة ليعتاش ويرتزق سياسياً ومالياً على حساب مؤسسات الثورة وربما بألقاب وشهادات لا يعلم مصدرها إلا صاحبها!!!

في تركيا صيف 2014 بعيد مغادرتي سوريا (بعد خروجي من المعتقل)؛ برر لي أحدهم بأن "ليس كل ما يعرف يقال"، فانفجرت بوجهه قائلاً: "في الثورات هذه خيانة، فكن شجاعا واخرج للناس واعترف لهم بما دار ويدور في الغرف والكواليس المغلقة مع ممثلي الدول وأجهزة الاستخبارات وغيرهم، و أخبرهم إن كانوا قد هددوك أو أغروك أو رشوك أو نصبوا لك  فخا أخلاقيا أو ما شابه إن وجد ..  لن تخسر نفسك أو سمعتك بل سيرفعك السوريون عاليا، ألا تستحق هذه الثورة على الأقل كلمة حق بينما مات ألاف الشهداء لأجلها، قلها ولن تموت، فإن حصل هذا الاحتمال "النادر جداً" بحقك فذلك أفضل من أن  تعيش جيفة تمشي على الأرض".

لا يحتمل المشهد السوري اليوم أي تبريرات، فقصف المناطق السورية المحررة من جهة، وحالة العوز الشديد لكافة الاحتياجات الإغاثية والطبية، والعطالة السياسية في الملف السوري دولياً من جهة واستخدام السوريين والتلاعب بهم وبثورتهم وبلاجئيهم في دول الجوار والعالم كورقة ضغط في الصراعات الداخلية السياسية والخارجية لتلك الدول من جهة أخرى، كلها أمور لا تحتمل التبرير والتفريط والتلاعب والتشاطر والكذب والتقية.

لا أبداً لن يقبل السوريون من هؤلاء "المعارضين" أي عذر أو تبرير أو استعراضات إعلامية لتبرئة أنفسهم كما يجري اليوم في منشوراتهم وتسريباتهم، بل ستكون دليلا يدينهم هم ومن يتبادلون معهم الاتهامات من "شركاء الأمس" في مؤسسات المعارضة التي احتلوها باسم الثورة ..  لن أطالبهم بحفظ ماء الوجه فلم يبقى منه لديهم شيء ليخسروه، لكن ليقدموا "حسنة" واحدة وربما أخيرة قد تحسب لهم: لينقلعوا ويحلوا عن ظهر ثورتنا فلا مكان لهم فيها بعد وليرحلوا إلى كنف مشغليهم فهم عار على الثورة ويصدق فيهم القول "من لم تكن لقمته من فأسه لن تكون كلمته من رأسه".

ليخلوا الساحة لشرفاء السوريون والغيورين على الثورة ليعيدوا بناء المؤسسات الرئيسية للثورة السورية لتفعيلها لتقوم بالدور الحقيقي المناط بها بعيداً عن مبدأ التقاسم والمحاصصة الشخصانية وبما يعيد بناء العلاقات والمصالح ما بين الثورة والعالم سيما وأنها (أي مؤسسات المعارضة الرسمية) وبتضحيات غير مسبوقة من السوريين حصلت على الاعتراف الدولي والإقليمي من جهة، ولأن الوقت لا يسمح بإعادة تشكيل جسم أخر أو مؤسسات جديدة من جهة أخرى، فوقت السوريين من دم؛ فثانيتهم تعني لاجئا ومشرداً جديداً ودقيقتهم بمعتقل وساعتهم بشهيد .. والسوريون والتاريخ لن يسامحوا أو يغفروا، وذاكرة السوريين لن تمحى.

 عبد الناصر كحلوس

ناشط سياسي سوري

03/08/2019

المادة المنشورة تعبر عن رأي الكاتب ولا يتبناها بالضرورة مركز آفاق مشرقية، ويتحمل الكاتب المسؤولية القانونية والعلمية لمضمون هذه المادة.

: تقييمك للمقال

التعليقات

كن أول من يكتب تعليقاً

اترك تعليقاً
1000
نشكر مساهمتكم والتعليق قيد المراجعة
حقوق النشر محفوظة لمركز آفاق مشرقية الذي يصرح بإعادة نشر المواد شرط الإشارة إلى مصدرها بعبارة "المصدر : مركز آفاق مشرقية" © 2017 Oriental Horizons. All Rights Reserved.