Flag Counter

خطأ بملء هذه الخانة
حقوق النشر محفوظة لمركز آفاق مشرقية الذي يصرح بإعادة نشر المواد شرط الإشارة إلى مصدرها بعبارة [المصدر : مركز آفاق مشرقية] *** ونود التنويه إلى أن الموقع يستخدم تقنية الكوكيز Cookies في متابعة حركة الموقع


محمود جبريل - رحيل وجه ليبيا الراقية

الكاتب : فواز تللو

2020-04-06 | |

متأثراً بإصابته بفيروس كورونا توفي أمس في القاهرة د. محمود جبريل رئيس المكتب التنفيذي في المجلس الانتقالي الليبي الذي قاد الثورة الليبية حتى لحظة النصر .. كان د. جبريل من انقذ الثورة لليبية من نهاية وشيكة اقتربت منها .. وإليكم قصة هذا الرجل النبيل ولكم أن تقارنوا بوضع الثورة السورية.

خريج يحمل الدكتوراه في الإدارة من أمريكا حيث تخرج ودرس في جامعاتها، شغل منصبين إداريين (وليس سياسيين) هامين في عهد القذافي، ثم قرر الاستقالة ومغادرة البلاد لإدراكه باستحالة إحداث فرق يدرس في جامعات كبرى في العالم والمنطقة حتى لحظة انطلاق الثورة الليبية، فترة سبقتها بنى فيها كما كبيراً من العلاقات الشخصية المبنية على الاحترام دون اي منفعة مادية مع قادة وسياسيين وصانعي سياسات في المنطقة والعالم.

بعد عشرة أيام من انطلاق الثورة الليبية (انطلقت في 17.02.2011) وبمبادرة منه تم تشكيل المجلس الانتقالي الليبي من 31 شخصاً كُشفت أسماء سبعة منهم وتم الكشف تدريجيا عن باقي الأسماء الممثلين لكل منطقة محررة جديدة .. ترأس فيه د. محمود جبريل منصب رئيس المكتب التنفيذي (أي الحكومة المؤقتة أو السلطة التنفيذية) المناط به كل العمل ومنصب وزير الخارجية، وعين الدبلوماسي علي العيساوي نائباً له، ليسلم السلطة بعد الانتصار لسلطة تنفيذية انتقالية.

بعد انطلاق الثورة الليبية ببضعة أسابيع استطاع نظام القذافي قمعها وحوصرت في حي صغير في مدينة مصراتة، وأوشكت مدينة بنغازي عاصمة الثورة المؤقتة في الشرق على السقوط .. هنا تحرك د. محمود جبريل وعلي العيساوي عالمياً في أوروبا والولايات المتحدة الأمريكية لحث الناتو على التدخل لإنقاذ الوضع، وكان لهما وخاصة د. محمود جبريل علاقات وثيقة استطاعا من خلالها إقناع الرئيس الفرنسي ساركوزي والبرلمان الأوروبي بدعم العملية، لتقوم فرنسا بدورها بدفع أوباما المتردد للتدخل، وبالفعل وقبيل ساعات من سقوط كامل بنغازي ونهاية الثورة المحتومة ونتيجة جهود د. جبريل والعيساوي بادرت فرنسا إلى بدأ قصف قوات القذافي مستبقة الأمريكان المتلكئين، ليتم دحر قوات القذافي تدريجياً وصولا إلى نقطة شبه توازن بعد عجز الثوار عن دخول طرابلس وتقدمهم البطيء جدا، ويمكن الرجوع لمنشور في الرابط التالي  يشرح صاحبه فيه دور الراحل في تحقيق ذلك التدخل، صاحب المنشور هو رئيس كتلة الليبراليين في البرلمان الأوروبي Guy Verhofstadt  وهو رئيس وزراء بلجيكا سابقاً ومن أنصار الثورة السورية بقوة بما في ذلك فرض مناطق آمنة وحظر جوي وتسليح الجيش الحر (ولي جزء كبير من الجهد أحتسبه عند الله في موقفه هذا لكن الحديث عنه مكانه مذكراتي الشخصية).

منشور السيد Guy Verhofstadt الذي ينعى فيه د. محمود جبريل

بعد قمع الثورة في طرابلس بوحشية في اليوم الثالث للثورة (20.02.2011) وضع د. جبريل بالتعاون مع قيادات مدنية من رجال أعمال وقيادات مجتمعية في طرابلس مولت العملية، قام بوضع خطة تجنيد وتحرير سرية لطرابلس كانت لاحقاً فصل الخطاب، كان يرى أن لا سقوط للنظام إلا بتحرير العاصمة التي وضع فيها القذافي كل ما يملكك من قوة مدركاً لهذه الحقيقة، وبالفعل قامت الخلايا المنظمة التي أنشأها د. جبريل وفي ساعة الصفر التي حددها ثوار طرابلس خلافاً لإرادة القوى التي كانت على مسافات متباعدة من طرابلس، وبالفعل وخلال ساعات انهارت قوات القذافي داخل العاصمة وقد فوجئت بما لم تحسب له حساباً.

سلم السلطة وشكل حزب "تحالف القوى الوطنية" وخاض به أول انتخابات في ليبيا ليحصل على الغالبية في نظام القوائم بينما في نظام الدوائر توزعت المقاعد على قوى مسلحة وقبلية ورجال أعمال ودين، ليكون القوة الاولى بحصة مجتمعة (في نظامي الانتخابات) في البرلمان الليبي الأول بحصة 40 مقعداً من أصل مائة مقعد، بينما حل ثانياً وبما يقارب 23 مقعداً تحالف للإسلاميين من الإخوان المسلمين وشخصيات إسلامية وعبد القادر الحاج (المقحم في الصورة والثورة بدعم إقليمي)، هنا وبدلاً من تكليف الحزب الأول أي "تحالف القوى الوطنية" بتشكيل الحكومة تم تكليف شخصية مقربة من الإسلاميين بتشكيلها مع توزيع الحصص وفق محاصصات قبلية وجهوية، ليخرج الحزب الفائز من السلطة، وليكون ذلك الجشع للسلطة والتلاعب بإرادة الناس بداية الفوضى التي تعيشها ليبيا اليوم حيث غابت الشرعية لصالح البندقية وتراجعت أهداف الثورة لصالح الأهداف الحزبوية والقبلية والشخصية والمصالح الإقليمية.

ما أكتبه يمثل قليلاً جدا من مشروع كبير لخصت قليلاً جدا منه هنا للتعريف بجانب صغير من هذا الرجل لكثيرين لا يعرفون دوره كجندي مجهول، لكن وبعجالة لمن يريد أن يأخذ فكرة عن جوهر المشروع الليبي الوطني الذي حمله د. محمود جبريل الليبي الوطني المسلم المتنور المتصالح مع ثقافته ومجتمعه؛ فعليه كمثال أن يعلم أن الـ 40 مقعداً برلمانيا التي حازها حزبه تكونت من 24 سيدة و16 رجلاً .. نعم، لم تقرؤوا الأرقام خطأً، كانت السيدات يشكلن 60% من نواب حزبه، حزب مثل ليبيا الراقية التي غابت أربعة عقود خلف قناع السفاح المهرج المعتوه القذافي، فقد كان الراحل يعمل وينجز دون أن يملأ الدنيا صراخاً كما يفعل الطرفين النقيضين الممسكين بملف المرأة والنسوية والجندر وغيرها.

في كل تحركاته لم يقحم نفسه ولا حزبه ولا ليبيا (في فترة توليه السلطة التنفيذية)، لم يقحمهم في أي محاور إقليمية على حساب بلده وثورته، كما لم يعادي أحداً وفق نفس المبدأ .. حافظ بشكل كبير على مبدا عدم الاستتباع لنفسه وحزبه ماليا وسياسياً لأي جهة لكنه سعى لديها لتحقيق مصلحة ثورته من موقع الند والشريك المحترم في مصالح مشتركة دون المساس بمصلحة ليبيا، فكان أن احترمه جميع الفرقاء في ليبيا وخارجها من قوى إقليمية في نفس الوقت الذي عملوا على تهميشه مع تياره الوطني الليبي المستقل، فنعاه الجميع وشعروا بالراحة ضمناً لرحيل من يشكل لهم هاجساً ومرآة يرون من خلال نقائها أخطائهم.

عرفته في ربيع عام 2012 بعد خروجي من سوريا ,بمبادرة من  Guy Verhofstadt والصحفي كورت دي بوف وهو نائب سابق في البرلمان الأوروبي ومدير مكتب اتحاد الأحزاب الليبرالية الأوروبية في القاهرة بعد ثورة 2011 هناك، وشكلنا مع بضعة شخصيات "تحالف القادة العرب للحرية والديموقراطية" بتأييد ودعم سياسي (وليس مالي) من حلفائنا في البرلمان الأوروبي، تحالفاً عربياً ضم مثلاً السيد أحمد الحريري المدير التنفيذي لتيار المستقبل اللبناني، والسيد أيمن نور رئيس حزب الغد في مصر وآخرين، حيث كنا نجتمع من وقت لآخر في بلجيكا برعاية من البرلمان الأوروبي (دون أي مصالح أو تمويل أو مشاريع مالية لأي منا)  لتستمر علاقي مع د. محمود جبريل من خلال هذه الاجتماعات وخارجها خاصة من خلال دعوتين وجههما لي لزيارته في طرابلس عامي 2012 و 2013، لا بغرض طق الحنك والسياحة بل لأسباب لها علاقة بالثورة السورية، حيث قدم لي عام 2012 تجربة واقتراحات سياسية وعسكرية بمنتهى الأهمية كانت بالنسبة لي كمن وجد كنزاً وسط حالة الفوضى والتخبط وعدم إتمام الإنجاز التي كانت ملامحها آخذة بالظهور، اقتراحات قوبلت من قبل القائمين على تمويل العمل العسكري بالإهمال وسط حالة السرقة والاسترزاق والتخريب المتعمد او نتيجة الفوضى، كما عوملت تحركاتي في البرلمان الأوروبي بدسائس خلفية وتجاهل علني من قبل المجلس الوطني، ولذلك أيضاً حديث في مذكرات أكتبها لاحقاً.

في كل اجتماعاتنا في البرلمان الأوروبي رأيت في د. محمود جبريل ليبياً وطنياً لم يستغل لحظة منها للكيد والدس بالآخرين بل كان حديثه ومشروعه يتمحور دائما ًحول ليبيا التي تسع الجميع، عن إنقاذ ليبيا دون استئصال أحد.

لمن يريد أن يعرف د. محمود جبريل أكثر سأروي له حادثة شخصية في أحد الاجتماعات لنا في بروكسل والذي صادف أن كان في شهر رمضان .. أفطرت لأنني على سفر وكذلك فعل الأخ أحمد الحريري، لكن أثناء تناولنا الغداء مع د. جبريل والآخرين ومنهم السيد   Guy Verhofstadt اكتشفنا أنه بقي صائماً، سألته عن السبب ولنا رخصة في ذلك كمسلمين على سفر والنهار طويل جداً وأمامنا عمل كثير، فأجابني: "لا أتحمل أن أفطر في رمضان لأي سبب كان سفراً أو مرضاً"، تابعنا اجتماعاتنا ليومين شاركنا فيها في كل شيء بكل نشاط دون أن يفطر ودون أن يُشعر أياً منا بالحرج وهو يجالسنا في الاجتماعات وموائد العمل، ليغادرنا بالأمس وأكتشف أنه كان مصاباً بمشاكل قلبية ترافقت مع صيامه يومها وكانت نقطة الضعف التي تسلل له من خلالها فيروس كورونا بالأمس ليغادرنا إلى رب عادل كريم، رجل حق لكل ليبي شريف أن يبكيه في زمن الفوضى والتخبط الذي تعيشها ليبيا وسط الصراعات والمحاور الإقليمية في ظل غياب مشروع الدولة الوطنية التي ستبقى منتظرة ليبيين وطنيين مستقلين دون عداء لحد في آن.

فواز تللو / سياسي وباحث سوري

مركز آفاق مشرقية

 

المادة المنشورة تعبر عن رأي الكاتب ولا يتبناها بالضرورة مركز آفاق مشرقية، ويتحمل الكاتب المسؤولية القانونية والعلمية لمضمون هذه المادة.

: تقييمك للمقال

التعليقات

كن أول من يكتب تعليقاً

اترك تعليقاً
1000
نشكر مساهمتكم والتعليق قيد المراجعة
حقوق النشر محفوظة لمركز آفاق مشرقية الذي يصرح بإعادة نشر المواد شرط الإشارة إلى مصدرها بعبارة "المصدر : مركز آفاق مشرقية" © 2017 Oriental Horizons. All Rights Reserved.