Flag Counter

خطأ بملء هذه الخانة
حقوق النشر محفوظة لمركز آفاق مشرقية الذي يصرح بإعادة نشر المواد شرط الإشارة إلى مصدرها بعبارة [المصدر : مركز آفاق مشرقية] *** ونود التنويه إلى أن الموقع يستخدم تقنية الكوكيز Cookies في متابعة حركة الموقع


المعارضة السورية واقتحام دمشق حي جوبر نموذجاً الجزء الثاني - بوصلةٌ تائهة وهجومٌ ناقص

الكاتب : هيثم البدوي

2017-05-15 | |

تقسم مرحلة  العسكرة العلنية  التي  تحدثنا عنها في الجزء الاول، والتي مر بها حي جوبرإلى ثلاثة مراحل اعتماداً على نوعية القوى العسكرية للمعارضة التي  سيطرت على الحي  ،وهي على الترتيب:

1- مرحلة الكتائب والجماعات المحلية و المناطقية  

2- مرحلة الالوية والكيانات و التجمعات الاندماجية الكبيرة

3- مرحلة سيطرة كيان واحد على اغلب جبهات الحي

 المرحلة الاولى / مرحلة الكتائب والجماعات المحلية والمناطقية 

تعتبر هذه المرحلة امتداداً لمرحلة عسكرة الثورة في الغوطة، وبالضرورة امتداداً طبيعيا لواقع الغوطة في تلك الفترة، و التي سبقت تاريخ 6/2/2013، فقد كانت الغوطة في تلك الفترة تعج بالكتائب والجماعات المحلية (المناطقية) كلواء هارون الرشيد (المشكل في جوبر) ولواء شهداء دوما (المشكل في دوما) ولواء  أبو موسى الاشعري (المشكل في حموريه) ولواء عبد الله بن سلام (المشكل في سقبا) بالإضافة إلى ألوية كثيرة لا يمكن حصرها لكثرة أعدادها، إضافة الى جماعات مقاتلة محلية، تشكلت من خلال روابط عائلية أو روابط دينية جمعتهم قيم عليا لرفع الظلم وقتال النظام الأسدي، ولم يقتصر عناصر تلك الكتائب والجماعات على أبناء منطقة الغوطة رغم مناطقية ومحلية الوجود العسكري في تلك الفترة، فقد سجلت عدة حالات انشقاق لضباط  وأفراد من جيش النظام ليلتحقوا ويبادروا بالانتساب إلى تلك الكتائب، وقد تنوع المنشقون بانتماءاتهم الدينية والمناطقية على امتداد سوريا، فلم يظهر في تلك المرحلة أي تمايز إيديولوجي أو ديني لكتائب الثوار المتشكلة، فقد سُجل وجود لكتيبة تحت مسمى "كتيبة بني معروف" ينتمي أفرادها إلى الطائفة الدرزية، لتندثر تلك الكتيبة لاحقاً بسبب انقسام الطائفة الدرزية نفسها بين مؤيد ومعارض للنظام ما منع من استمرار وجودها وتلاشيها، كما سُجل وجود كتيبة تحت مسمى "كتيبة الأرمن المسيحيين" المنتمين إلى الطائفة المسيحية، وقد قاتلت إلى جانب فصائل الجيش الحر في الغوطة الشرقية، والجدير بالذكر أن تلك المرحلة شهدت ولاء جميع الكتائب على اختلاف انتماءاتها إلى مظلة الجيش الحر الذي امتد على كامل  الاراضي السورية.

يمكن وصف هذه المرحلة بالفترة الذهبية من جهة توسع رقعة المناطق المحررة وغياب أي تنافر أو اقتتال  داخلي بين الكتائب، وكانت السمة الأبرز لتلك المرحلة التنافس ولتعاون لتحرير مزيد من الأراضي التي يسيطر عليها من النظام.

بعد تحرير حي جوبر بدأت خطوط التماس مع النظام تتشكل حسبما ورد في الجزء الأول من هذه الدراسة، وكان الأمر الذي فاجأ النظام في هذه المرحلة عملية تحرير كراج البولمان والمنطقة الفاصلة بين حي  جوبر  و حي القابون المسيطر عليه من المعارضة أساساً والذي بدأ بتاريخ 3/3/2013 من قبل اللواء الاول  ولواء  جيش المسلمين من جهة القابون والذين وصلا لقلب كراج البولمان، لتقوم الكتائب الموجودة في  جوبر  (لواء شهداء  دوما ولواء  هارون الرشيد) باستكمال التحرير ووصل الحيين مع بعضهما بتاريخ 29/3/2013 ، وبذلك تشكل طوق عسكري حول العاصمة دمشق يبدأ من جوبر وينتهي  ببرزة، ما نبه النظام لخطر الوجود العسكري للمعارضة على محيط العاصمة وخطر اتصال تلك الأحياء مع بعضها البعض (القابون - جوبر - برزة) ليرسم النظام بعد هذه العملية استراتيجيته الدفاعية لتكون موجهاً  ودليلاً  لكل  تحركاته اللاحقة لفصل الأحياء عن بعضها البعض والتي  ستعمل  على فصل  واقتطاع واحتلال قطاع طيبة من جوبر لينهي حلم المعارضة بوصل المناطق المحررة وهي على التوالي: جوبر والقابون وعربين وحرستا، وقد كان استخدام النظام للكيماوي في نفس ضد مدني وثوار يصب في إطار هذه الاستراتيجية ما خلف (الهجوم بالكيماوي) آلاف الشهداء في الغوطة الشرقية.

بدء النظام عملياته محاولاً  فصل  الحيين (جوبر والقابون) عن بعضهما  البعض، واستطاع تحقيق ذلك في الشهر السابع من نفس العام 2013 وذلك باحتلال كراج انطلاق البولمان، ليكمل عملياته ضد الحي معتمداً سياسة القضم والتدمير لقطاع طيبة بهدف  فصل  الحيين ونجح بذلك، لكن وجود عمليات كر وفر وسيطرة متبادلة من كلا الفريقين (النظام والمعارضة) على المناطق الفاصلة بين الحيين أدى لعدم رسم خطوط تماس واضحة وثابتة على الجهة الشمالية للحي في تلك الفترة، كما أن قطاع جوبر يتميز بوجود مناطق  زراعية داخله كما أن أغلب أبنيته من الطراز القديم والتي وقفت عائقا أمام الثوار لتمنعهم من تحصين المنطقة  هندسيا وعسكريا، وهذا ما سهل بدوره عملية القضم من قبل النظام، لتستقر خطوط التماس في تلك الفترة شبيهة بما ورد في الجزء الأول من هذه الدراسة، مع فصل شبه تام بين الحيين المذكورين ووجود عسكري للنظام على مشارف قطاع طيبة من جهة فرع الجوية التابع لمحافظة ريف دمشق، والذي سيكون لاحقاً نقطة انطلاق عمليات النظام للسيطرة على باقي قطاع طيبة.

أما على الجبهة الغربية فقد بقيت نقاط التماس ثابتة نسبياً عدا مخفر جوبر وبعض الأبنية المتناثرة والتي  اطلقت عليها المعارضة العسكرية بعض التسميات الشعبية "كالمنفردة"، إضافة إلى كتلة المدارس الفنية وكتيبة الموسيقا، هذا وقد شنت على هذه الجبهة عدة عمليات من قبل المعارضة أدت إلى رسم خطوط تماس شبه ثابتة، فقد استطاعت المعارضة تحرير مخفر جوبر إضافة إلى تحرير كتيبة الموسيقا، وبذلك رسمت الخطوط على هذه الجبهة على امتداد أوتوستراد المتحلق الوسطي والذي لم تستطع المعارضة تجاوزه إلى اليوم.

على الجبهة الجنوبية وصلت طلائع الثوار إلى كتل الزبلطاني الصناعية، وأسوار سوق الهال، وبالقرب من برج الثامن من أذار الذي سيكون نقطة ارتكاز أساسية لقوات النظام ما سيقف عائقاُ أمام المعارضة من إحراز أي تقدم باتجاه دمشق من هذه الجبهة لاحقا. 

تعرضت المعارضة على هذه الجبهة إلى إضعاف كبير أدى إلى تراجعها كثيراً، فقد انسحبت الفصائل  التي  كانت مسؤولة عن حماية تلك الجبهة (لواء تحرير الشام بقيادة فراس البيطار) إلى القلمون الغربي وذلك بعد قصفه لموكب رأس النظام في 7/8/2013، حيث انسحب عبر طريق العتيبة الخلفي للغوطة الشرقية وبانسحابه حدثت ثغرة كبيرة كان من الصعب على المعارضة معالجتها ما سبب انهيارات متتالية لتلك الجبهة حتى باتت خطوط التماس  بعيدة عن النقاط الاستراتيجية التي كان النظام يخشى عليها كسوق الهال وكتل الزبلطاني الصناعية ومجمع الثامن من أذار، لتبقى خطوط التماس مقتصرة على ثكنة كمال مشارقة وكتيبة الموسيقا والأفران الاحتياطية.

تميزت هذه المرحلة الاولى بوجود روح ثورية تنافسية إضافة لشعبية ومحلية الفصائل، فلم تكن في هذه الفترة قد تشكلت بعد الفصائل الكبيرة، لذلك كانت أغلب القرارات المتخذة من الفصائل تصدر نتيجة المتغيرات الداخلية المحلية دون أي اعتبارات خارجية، يضاف لها روح معنوية عالية نتيجة الانتصارات المتكررة للمعارضة في أغلب المناطق السورية، لكن بالمقابل يمكن تسجيل عدة نقاط سلبية بحق المعارضة، كارتفاع أعداد الشهداء وضعف خبرتهم العسكرية القتالية والهندسية منها خاصة، كما يسجل عدم وجود قيادة عسكرية واحدة تجمع العمل العسكري في تلك الفترة.

أما على صعيد جبهات الحي فلم يسجل تراجع كبير باستثناء الجبهة الجنوبية التي تراجعت المعارضة فيها  بعيداً عن النقاط الاستراتيجية واقتصر وجودها على منطقة الأفران الاحتياطية ومحيط ثكنة مشارقة إضافة إلى تمكن النظام من فصل حي جوبر عن حي القابون، لتكون هذه الصورة وهذه الخطوط المرسومة بين النظام والمعارضة هي نهاية المرحلة الأولى.

 المرحلة الثانية / مرحلة الكيانات و التجمعات الاندماجية الكبيرة للمعارضة المسلحة

اعتبرنا سابقاً أن المرحلة الثانية بدأت مع تشكل الكيانات الكبيرة نتيجة الاندماجات التي حصلت، وبناءً على هذا نعتبر أن أواخر عام 2013 وبداية عام 2014 هي بداية المرحلة الثانية.

فقد تشكل "جيش الإسلام" والذي تم الإعلان عنه صباح يوم الأحد 29/9/2013 في الغوطة الشرقية والذي نتج عن اندماج حوالي 43 تشكيلاً عسكرياً في جسم واحد، كما تشكل في نفس الفترة تقريبا "فيلق الرحمن" وذلك في أواخر عام 2013 من خلال اندماج لواء البراء مع لواء أبو موسى الاشعري وعدة مجموعات أخرى، وخلال هذه الفترة أيضاً تم الإعلان عن تشكيل "الاتحاد الاسلامي لأجناد الشام" والذي تم الإعلان عنه في 30/11/2013 والذي اقترب من حجم جيش الاسلام المشكل حينها، وبذلك تميزت تلك الفترة بصفة الاندماج داخل كيانات كبيرة سيكون بينها نوع من التعاون أحياناً واقتتال في أحيانٍ أخرى.

بعد سلسلة الاندماجات أصبحت جبهات جوبر مقسمة ومتداخلة بين ثلاثة كيانات رئيسية، هي جيش  الاسلام والاتحاد الاسلامي لأجناد الشام وفيلق الرحمن، تداخل نتج بالأساس عن طريقة التقسيم السابقة للجبهات بين الفصائل المحلية ما نتج عنه مشاحنات ومضايقات بين الكيانات الجديدة نتيجة محاولة كل كيان التفرد والتسلط على قطاعات معينة داخل  حي جوبر الدمشقي، فقد أقيمت فيه الحواجز في  تلك الفترة لتمنع مقاتلي  بعض الكيانات من التنقل بين الجبهات، وانشغلت الكيانات بتوسيع قاعدة وجودها وحجمها في الغوطة والجبهات مما أثر على جبهات الحي بشكل سلب، فباتت سمة الانسحابات وخسارة المناطق أخباراً مألوفة للحاضنة الشعبية، إضافة إلى ظهور أمر شرخ الوضع المستقر بالغوطة، فخلال صيف 2014 توحدت الغوطة  لقتال "تنظيم الدولة isis " وعملت على استئصاله نهائياً، كما استأصل "جيش الاسلام" لاحقاً منافسه في مناطقه "جيش الامة" في محاولة لفرض نفوذه وقيادة منطقة كاملة داخل الغوطة.

أرهقت هذه الحوادث المتتالية في تلك الفترة الثوار كأفراد، في حين كان القادة بعيدين عن هم الجبهات ومشغولين بتوسيع دائرة النفوذ والسيطرة لكياناتهم المشكلة، لكن تحت ضغط الحصار وتذمر الحاضنة وخسارة عدة مناطق  داخل حي جوبر خاصة في قطاعي طيبة والجبهة الجنوبية؛ اضطر قادة الكيانات للعمل  بشكل جماعي ضمن عدة غرف عمليات لاستعادة مناطق تم خسارتها سابقا، فمع الخسائر  المتتالية على قطاع طيبة المهم استراتيجياً، أطلقت الكيانات مجتمعة معركة دعتها "رص الصفوف"  بتاريخ 21/4/2015 بهدف استعادة كامل القطاع لكن العملية فشلت في تحقيق أهدافها كاملة مقتصرةً على استعادة بعض  النقاط التي خسرتها المعارضة سابقاً، ليبقى قطاع طيبة معضلة جوبر والذي عمل النظام على محاولة احتلاله بشكل  كامل ليفصل زملكا وعربين وجوبر والقابون عن بعضهم، إضافة لمحاولته المستمرة لقطع الاتصال الجغرافي  بين جوبر والغوطة الشرقية عن طريق السيطرة على قطاع طيبة وجسر زملكا، ومحاولة تقدمه المستمر من ناحية ثكنة كمال مشارقة ليطبق الحصار على جوبر بشكل كماشة، وهو ما لم يستطعه النظام بسبب ثبات الثوار كأفراد وانتمائهم للأرض التي يدافعون عنها، وقد برز ذلك بشكل  خاص من قبل  المدافعين عن الحي  في محيط ثكنة كمال مشارقة.

لكن وعلى امتداد الجبهة الشمالية من جهة كراج العباسيين وشركة الكهرباء بقيت المعارضة صامدة بوجه أغلب هجمات النظام ولم تسجل أي تراجعات كبيرة باستثناء بعض التراجعات المحدودة تحت ضغط  التدمير  الكبير الذي حصل مما أعاق عمليات الرباط والدفاع في المناطق المدمرة، كما يمكن تلمس سبب أخر للصمود يكمن في نوعية المقاتلين المتواجدين في تلك المنطقة وطبيعة كيانهم العسكري، والجدير بالذكر أن النظام ودون نجاح لم يوفر فرصة لاقتحام حي جوبر من ذلك المحور لاحتلاله ووصله بقطاع طيبة الذي سيطر عليه سابقا في تلك الجبهة الشمالية. 

أما في الجبهة الغربية  للحي فلم يسجل أي تغير على خطوط التماس، بل بقيت العمليات بين كر و فر وتبادل  للمواقع والنقاط مع أن النظام ولم يوفر أية فرصة ليحتل أجزاء من تلك الجبهة، لكن كان مما ساعد الثوار في  هذه الجبهة وهذه الفترة، كان تطور العمل العسكري الدفاعي، والذي يمكن ملاحظته باستخدام المعارضة أساليب الهندسة العسكرية كالمترسة والخنادق ونقاط الرباط المحصنة باحترافية عالية، ويرجع الفضل بذلك لتشكيل  الكيانات الكبيرة التي استطاعت تأمين الخبرات العسكرية (ضباط منشقين) والامكانات المالية المتوفرة ومركزية القرار والادارة، وقد ساعد في ذلك أيضاً حداثة الابنية ومتانتها على تلك الجبهة، فكامل  الابنية كانت من حديثة متينة ما سهل عمليات الهندسة العسكرية، حيث تم ربط الابنية في تلك الجبهة عن طريق شبكة من الانفاق مما شكل عاملاً قلل بدوره أعداد الشهداء والإصابات والخسائر العسكرية، وكالجبهة الشمالية، لم يتوقف النظام مراراً وتكراراًعن محاولة اقتحام هذه الجبهة دون تحقيق أي نصر يذكر.

أما على الجبهة الجنوبية فلم تكن الأمور أفضل حالاً من سابقاتها للنظام الذي سُجلت له محاولات كثيرة لاختراقها دون تحقيق أي تقدم، ويمكن عزو ذلك أيضاً لطبيعة الأبنية وثبات مقاتلي أفراد تلك الجبهة ممثلين بكيانهم المنتمين له والذي لم يدخر أي دعمٍ هندسي أو عتاد عسكري لمنع النظام من تحقيق أي تقدم لإدراكه  خطورة تقدم النظام لما بعد ثكنة كمال مشارقة ووصوله إلى جامع حرملة بن الوليد الذي لو تم للنظام السيطرة عليه لفصلت جوبر عن الغوطة الشرقية نهائياً عبر إطباق فك الكماشة الذي حاول تنفيذه بعد تقدمه في محور طيبة ووصوله بالقرب من جسر زملكا، مما حمل المقاتلين في تلك الجبهة مسؤولية مضاعفة للصمود والدفاع عن محور الاتصال مع الغوطة، ومن جهتها لم تدخر المعارضة أي جهد للقيام بعمليات ضد النظام على هذه الجبهة لتسجل عدة عمليات عسكرية غير  ناجحة كباقي الجبهات.

 كانت سمة هذه المرحلة العمليات غير الناجحة ولم يسجل أي تقدم ملموس على الجبهات، فقد تم الاعتماد على الانفاق في عمليات الهجوم ضد النظام مما جعل العمليات روتينية وفاشلة ومكشوفة من قبل النظام الذي توفرت لديه التقنيات المضادة لذلك، لكن يسجل لهذه الفترة إيجابيات استخدام وسائل عسكرية دفاعية بأسلوب  احترافي  ومهني (عسكري)، مما قلل الخسائر البشرية بشكل عام مع عدم نسيان سلبيات تلك الفترة بما  حملته من عدم تعاون وتصارع بين الكيانات، إضافة إلى التفات كيانات المعارضة العسكرية المشكلة لتوطيد السيطرة على الغوطة عن طريق تشكيل القيادة الموحدة، وقتال تنظيم "الدولة الإسلامية داعش"، واستئصال  جيش  الأمة، وبعض الجماعات المفسدة، والذي انعكس على جبهة جوبر سلباً بشكل عام، وفي خضم كل  ذلك زار رأس النظام السوري منطقة الزبلطاني المحتلة في مطلع 1/1/2015 ليوجه رسالة للعالم أنه يحمي  الأقليات المسيحية كون المنطقة قريبة من مناطق الوجود المسيحي الدمشقي، وليستفيد من ضعف الفصائل  ليقول للعالم أنه مسيطر على الوضع.

وللأهمية  الكبيرة سنفرد السطور التالية للحديث عن قطاع طيبة وسبب الخسائر المتتالية فيه، وذلك بالتركيز على سبب مررنا عليه خلال الدراسة وهو استخدام النظام للسلاح الكيماوي لقصف جوبر وغوطة دمشق يوم 21/8/2013، فقد أثر القصف بشكل كبير على مدني وثوار الغوطة بشكل عام، وعلى الثوار والمدنيين    المتواجدين في قطاع طيبة في ذلك الوقت، فقد سُجل استشهاد عائلات عديدة وكتائب عسكرية معارضة  بأكملها في تلك الحادثة وفي ذلك القطاع بالتحديد، مما سهل على النظام مهمة اقتحام حي جوبر من محور  طيبة ووصوله إلى قرب جسر زملكا الذي مثل أكثر نقطة متقدمة وصلها النظام على امتداد المعارك على ذلك المحور، وباعتقادي ومن خلال معايشتي الميدانية لتلك الفترة فإن السبب الأكبر لخسارة محور "قطاع طيبة" كان استخدام نظام الأسد للسلاح الكيماوي وتعمده قصف القطاع استعداداً لاقتحامه أثناء وبعد عمليات القصف  بالسلاح الكيماوي ليطبق على حي جوبر كالكماشة ويفصله عن الغوطة الشرقية ليسهل عليه ابتلاعه.

لقد أثبت من بقي حياً من المقاتلين بسالة كبيرة في الدفاع عن ما تبقى من قطاع طيبة، ويذكر أن قصف  الكيماوي طال منطقة وعقدة مهمة بين زملكا وجوبر وعربين، مما تسبب بتراجعات كبيرة للمعارضة نتيجة استشهاد كتائب بأكملها كما ذكرت، ونتيجة استشهاد الثوار في بيوتهم وقت راحتهم والمناط بهم أصلاً القيام بعملية المؤازرة في حال حدوث طارئ على الجبهة، وهي شهادة أتركها للتاريخ كشخص عايش الحدث كمسؤول في تلك الفترة عن عمليات الإنقاذ التي تمت، وكشهادة حق بحق الكتائب المسؤولة عن حماية ذلك القطاع (طيبة) من حي جوبر ضد أي تهمة توجه لهم بالتخاذل والتقاعس في ذلك اليوم "الكيماوي"، موفياً للشهداء حقهم وعدم بخسهم جهدهم، موضحاً سبب الخسارة التي قد يجهلها البعض، فقد صارع من بقي  حياً من أفراد تلك الكتائب المسؤولة عن حماية المنطقة ما بين إسعاف الجرحى/الشهداء من جهة دون أن يعلم أحد بدايةً أن من يقومون بإسعافهم هم شهداء وأن السلاح المستخدم هو السلاح الكيماوي، فقد كانوا  يظنونهم جرحى أو غائبين عن الوعي، ومن جهة أخرى استبسل هؤلاء المقاتلين الذين بقوا أحياء في الدفاع عن تلك المنطقة، لكن حجم الضربة بالسلاح الكيماوي وشدتها، ومحدودية الإمكانات ساهمت بخسارة قطاع طيبة الذي قلت سبق وقلت أنه سيبقى عقدة جوبر حتى ساعة كتابة هذه الدراسة على الأقل.

 المرحلة الثالثة / مرحلة سيطرة كيان واحد على أغلب جبهات الحي

لا يمكن فصل مرحلة عن اُخرى فكل مرحلة تمثل مقدمة لمرحلة لاحقة، ويظهر هذا الأمر جليا في المرحلة الثانية و الثالثة  حيث انتقلت الأمور من سيطرة ومسؤولية ثلاثة كيانات على جبهة جوبر في المرحلة الثانية،  إلى سيطرة كيان واحد بأغلبية مطلقة في المرحلة الثالثة، أمرٌ حصل بعد اقتتال بين فصائل الغوطة كان من مخرجاته انقسام الغوطة إلى قسمين بين فصيلين هما جيش الإسلام وفيلق الرحمن، فباتت عندها جبهة جوبر خاضعة لسيطرة ومسؤولية فيلق الرحمن الذي سيعمل بدوره على تعزيزها عسكرياً من خلال اتخاذ الوضع الدفاعي كسمة بارزة لهذه الجبهة، ليقوم بتحصينها هندسياً وعسكرياً من خلال بناء المتاريس والدشم  وحفر الأنفاق، وليقوم بعدة عمليات عسكرية فاشلة ضد النظام كعدة محاولات فاشلة لاختراق خطوط دفاع النظام عن طريق الأنفاق، وأحيانا عن طريق هجوم غير مدروس بعناية كعملية تحرير طيبة عن طريق التقدم بسلاح الميكا (دبابات) والتي انتهت بالفشل نتيجة اصطدام الدبابة بمترس للنظام، مما تسبب بدخول التراب إلى داخل سبطانة الدبابة لتنفجر السبطانة مع أول قذيفة تخرج منها ما أدى إلى توقف العملية مباشر، ولتبقى جبهات حي جوبر بعدها محل تراشق باتهامات متبادلة بين الفصيلين ومزاودتهما على بعضهما البعض.

لكن بتاريخ 19/3/2017  نفذ الفيلق بالتعاون مع بعض فصائل الغوطة عملية ناجحة تعد من العمليات البارزة التي  أثرت في مسار الثورة في الغوطة، فبعد سلسلة من الهزائم وتاريخٍ حافلٍ بالاقتتال بين فصائل الغوطة وخوف من مصير مجهول ينتظر الغوطة بعد الصعوبات التي واجهتها الثورة السورية في أغلب  المناطق، وعمليات التهجير القسري والتغير الديموغرافي التي طالت أغلب المناطق المحيطة بالعاصمة دمشق، فأتت هذه العملية كمتنفس حقيقي أعاد بث الأمل من جديد ورفع معنويات الحاضنة الشعبية لتعود الثقة مجدداً بفصائل الغوطة بعد غياب أي ثقة حقيقية بين الفصائل والحاضنة الشعبية (وهو أمر تغير جذرياً مع الأسف بعد الاقتتال الأخير الحاصل اليوم بينهما).

وكسلبيات فورية واجهت "فيلق الرحمن" بعد عملية الاقتتال السابق بينه وبين "جيش الاسلام" من الناحية العسكرية؛ واجه فيلق الرحمن" فراغاً كبيراً في بعض القطاعات التي كان يدافع عنها "جيش الاسلام" كقطاع طيبة الذي غاب عنه عناصر "جيش الاسلام" إما بانسحاب إرادي منهم أو بفعل الاعتقالات التي نفذها "فيلق الرحمن" بحق بعضهم مما أحدث فراغاً كبير سارعت بعض الجهات المدنية والفعاليات الثورية لسده عن طريق فتح باب التطوع، لكن بعد استتباب وضع الغوطة بين الفصيلين (قبل الاقتتال الأخير) تم تدارك العجز الذي حصل في قطاع طيبة بتوطيد الوجود العسكري الدفاعي.

أما في باقي جبهات الحي فلم يسجل أي تغير كبير باستثناء استمرار هجمات النظام وازدياد شراستها، ومع اتخاذ "فيلق الرحمن" الوضع الدفاعي على جبهات الحي، سارعت سرايا الهندسة التابعة له بإنشاء  التحصينات القوية والخنادق والأنفاق التي ساهمت بتعزيز خطوط الدفاع، فيما فشلت سياسة اختراق خطوط النظام عبر الأنفاق بعد عدة عمليات فاشلة أدت إلى خسائر بشرية متكررة، ما  دفع "فيلق الرحمن" لإطلاق عملية سماها "يا عباد الله اثبتوا" في 19/3/2017، أظهرت براعة المقاتلين وكفاءتهم القتالية التي وصلوا  لها خلال ستة سنوات من القتال ضد النظام، ومع تغير أسلوب الهجوم واعتمادهم على المفخخات  والانغماس المباشر في القتال، استطاعت القوة المهاجمة تحقيق نصر سريع وكسر خطوط دفاع النظام مقارنة بالعمليات السابقة في عملية هدفت لوصل حي جوبر و حي القابون الدمشقيين مجدداً، علماً أن طول الجبهة الممتدة على دمشق قد يصل لو تم ذلك لوصل إلى 7 كلم، مما قد يشكل ضغطاً كبيراً على النظام، مع العلم أن اغلب  تلك المساحة تقع ضمن سيطرة المعارضة التي تسيطر وتحيط بجبهات مطلة على العاصمة السورية دمشق.

تظهر في هذه المرحلة بعض الأمور بشكل واضح، منها ضعف كيانات المعارضة منفردة  بالقيام بأي هجوم باتجاه العاصمة، وضعف المعارضة في الثبات في النقاط التي حرروها بسبب عدم اتحاد كامل الكيانات في العمل المنجز، كما يظهر أن النظام يخشى من اختراق المعارضة لخطوط دفاعه وتوجهها إلى قلب العاصمة وهذا الامر ظهر من خلال ابتعاد النظام عن الاشتباك مع المعارضة بشكل مباشر واعتماده على القصف  الجوي في حين تفرغ  لبناء وتحصين خطوط دفاع جديدة بديلة عن الخطوط التي انهارت، وقد ظهرت إشارة من روسيا توجه النظام لبناء خطوط جديدة عن طريق رسالة بثت على صفحة قاعدة حميميم الجوية والتي  تتبع لعناصر يعملون في القاعدة حيث تنص الرسالة على أن روسيا قد لا تستطع استخدام "سلاح الفضاء الروسي" (أي الطيران) في حال  تقدم مقاتلي المعارضة باتجاه دمشق، وبعد ساعات حذفت هذه الرسالة لتستبدل  برسائل أخرى تهدف لتوجيه النظام  وإعلامه بما يتوجب فعله بشكل غير رسمي، وهو أمر ينبغي على المعارضة الاستفادة منه بالعمل على رسم هجماتها بشكل اختراقي وعدم العمل على تثبيت النقاط بل  الاهتمام بتحقيق تقدم سريع على الارض يسرع بانهيار معنويات النظام ويمنعه من استخدام أسلحته التي  تستطيع صد هجوم المعارضة كالقصف  الجوي  والمدفعي  والصاروخي المركز.

 هيثم البدوي

كاتب سوري وطالب علوم سياسية في أكاديمية مسار / غوطة دمشق الشرقية

مركز آفاق مشرقية

المادة المنشورة تعبر عن رأي الكاتب ولا يتبناها بالضرورة مركز آفاق مشرقية، ويتحمل الكاتب المسؤولية القانونية والعلمية لمضمون هذه المادة.

: تقييمك للمقال

التعليقات

كن أول من يكتب تعليقاً

اترك تعليقاً
1000
نشكر مساهمتكم والتعليق قيد المراجعة
حقوق النشر محفوظة لمركز آفاق مشرقية الذي يصرح بإعادة نشر المواد شرط الإشارة إلى مصدرها بعبارة "المصدر : مركز آفاق مشرقية" © 2017 Oriental Horizons. All Rights Reserved.