Flag Counter

خطأ بملء هذه الخانة
حقوق النشر محفوظة لمركز آفاق مشرقية الذي يصرح بإعادة نشر المواد شرط الإشارة إلى مصدرها بعبارة [المصدر : مركز آفاق مشرقية] *** ونود التنويه إلى أن الموقع يستخدم تقنية الكوكيز Cookies في متابعة حركة الموقع


وداعاً أبو هايل

الكاتب : مروان العش

2017-06-09 | |

رجولة وشباب وهدوء، مع تركيز في كل كلمة ينطقها، ينم عن فكر ووعي ثوريين، كان هذا انطباعي عن ذلك المعتقل المهندس الشاب المنحدر من أجمل مصايف ريف دمشق، القادم من شاهقات جبالها و صقيع ثلوجها وروعة مناظرها، كمصيف لكل السوريين ولضيوفهم، كان قليل الكلام وما أن كلمته أول مرة حتى ارتاح لي ووثق بي، سألته عن اسمه فقال: دع عنك أسماء الذات و العائلة نحن هنا ثوار واسمي أبو هايل، هكذا يعرفوني من أول يوم بالثورة, والآن أنا هنا مجرد رقم 4325 ؟؟

قسمات تنبئك أنه عانى ما عانى من آثار الاعتقال قبل وصوله للجماعية, اعتقل بكمين بغوطة دمشق ولاحقوا عائلته واعتقلوا عائلته للضغط عليه, وتوجهوا به لقبو أسفل بناء كبير لا يُرى منه النور مطلقاً, قبوٌ مصممٌ كسجن لتحطيم صمود أي معتقل يدخله, سواد العتمة وأصوات التعذيب تضج بالمكان، والكفر وسب الذات الإلهية و سب أهالي المعتقلين, سمعها منذ أول لحظة وطئ فيها هذا المكان لتحقير وتسفيه كل ما تعتقد به وتحترمه, وإمعاناً في تدنيس المقدس لديك لتحطيم إرادتك وشل قدراتك بالتفكير.

القمل يتغلغل بأجسادهم ويؤرقهم لسعاً وحكاً، من حس الإنسان بالحياة يبحث عن القملة التي تعقره بالعتمة، تصوروا صارت لديهم خبرة باللمس تعلموها ممن قبلهم، أن يفقس المعتقل القمل بالعتمة ليتخلص من لسعها وأذاها, يا الله أما يكفي هول هذا المكان ليتسلط علينا القمل والجرب والقوباء, ومن لا يصاب بها في هذا القبو الثاني أسفل بناء يحسبه المشاهد العادي من الخارج كأي بناء حكومي ملون ومزخرف وعليه حرس ظاهر، ولا يعلم أن أسفله دماء شعب يعذب وينزف ... ويصمد, أصبحت الأبنية الحكومية وأقبيتها مراكز اعتقال وتعذيب وقتل, ولم يدري المواطن السوري أن الضرائب التي يدفعها والنفط والقمح والفوسفات وثروات سورية المسروقة بدل أن تبني المدارس للتعليم والجامعات للفكر والثكنات لتدريب جيش الوطن, تكرس لجعل أسفل كل بناء حكومي معتقلاً للأحرار و سجناً للثوار, و قبراً لمن يكسر الصمت بالثورة ومطالب الكرامة.

وصل أبو هايل لجماعيتنا (الزنزانة الجماعية) بالسروال الداخلي فقطـ بعد أن سرقوا ثيابه في المعتقل الأول، ولفت أنظارنا شعره الكثيف ولحيته الجديدة الجميلة وعيناه المشعتان، وكل مظهره ينبئك بأنه ابن عائلة ميسورة كريمة، أجلسته بجانبي وعرفته بنفسي، فارتاح لي ووثق بي وفتح لي قلبه وعقله خلال الشهر الذي عايشته في الاعتقال، لم يكن فارق العمر ليشكل أي عائق بيننا، لكنه رغم ذلك كان يعاملني كأنني والده، سهرنا الليالي نتذاكر الثورة وأسبابها وظروفها؛ كيف انطلقت وثابرت بأبنائها من الصفر المطلق مادياً، لكن بالاعتماد على إرث وطني وإنساني كبيرين، تميز بهما أوائل الثوار الذين هبوا مطالبين بالكرامة الوطنية لمواجهة الاستبداد والظلم والقمع عبر سنين طوال، في كل بيت ومتجر ومصنع وجامعة، يدفعهم شعورهم أن هناك وطناً يُنهب وتاريخاُ يُسرق وحثالات لا تاريخ لها تتآمر، لتبقى سورية مزرعة و بقرة حلوب لعصابة تسلطت على الشعب رافعة شعارات خلبية جوفاء، لتغطي على نواتهم الطائفية المتصلبة الحاقدة. 

كان أبو هايل يحمل فكرا وعلماً نيراً كاختصاصه الذي أحب، يهمس لنا بمشاريعه الهندسية وعناوين الكتب التي قرأها، والمخططات التي عكف على دراستها، والقرية النموذجية السياحية التي يفكر في إقامتها ببلدته الجميلة الوادعة جارة الوادي، يذكر بتقدير أسماء مشاهير اختصاصه وإنجازاتهم، وكان طموحه أن يستشرف مشروعاً مبدعاً، يقدمه لوطنه وفاءً ويتفوق به على جيله، لكنه أسير المعتقل ولا يدري أيخرج حياً أم شهيداً... ؟؟؟

كانت الوجبة اليومية نصف خبزة، وآثار سائل أبيض من اللبن يلوث جزءاً من كسرة الخبز ويرطبه أو حبتين من الزيتون أو ملعقة مربى من السكر الخالص، وهو شاب بحاجة للصمود، فقدرت أن من الضروري أن يأكل ما يتاح, فكنت أقوم يوميا بقسمة حصتي نصفين، نصف له ونصف لي إيثاراً وأملاً مني أن يبقى بصحته ويصمد أثناء التحقيق القادم, رفض في اليوم الأول ورجاني أن آكل وجبتي النصف رغيف, فأقنعته أن عمري كبير ولا أحتاج لكل هذه السعرات الحرارية بالإضافة لعدم رغبتي بـ "الخروج البشري" يوميا لصعوبة الدور على الحمامات نتيجة كثرة العدد الذي فاق 120 معتقل في غرفة كبيرة زاويتها مرحاض ظاهرٌ وصنبور ماء متعدد الاستعمالات؛ للنظافة والشرب والغسل.

أقنعته أخيرا بأن يقاسمني وجبتي فقبل مكرهاً, وهكذا كنا في عصر كل يوم نتقاسم سوية وجبة الغذاء الرئيسية بمحبة كما بين الأخ وأخيه؛ نصف رغيف خبز وقليلاً من الرز الملون بلونٍ أحمر لا تدري ما هو فقط لتسد رمقك وجوعك, ولتساعد نفسك على الصمود أما الآلة الوحشية من أدوات وصنوف التعذيب والقهر لتعترف مكرهاً بما يملي عليك السجان من أمور تفوق الخيال في غرابتها، كالذي اُتُّهِمَ ببيع دبابة للعدو الصهيوني وهو من سكان الغوطة!!! وذاك الرجل المريض بمتلازمة داون الذي اُتُّهِمَ أنه رامي RBG ودمر ثلاث دبابات!!!

وجاءت لحظة الفراق؛ نادى السجان اسمي أن جهز نفسك للخروج من الزنزانة ظناً مني للنقل لمكان آخر، وقبل خروجي نظر لي عميقاً وقال: جمعتنا الثورة فأرجو أن لا تفرقنا الأيام ... ونلتقي يوماً وأدعوك في بلدتي التي تحبها؛ تأتيها زائراً واعتبر بيتي بيتك، لأرد لك ما أسلفتني من محبة، غادرت ونظراته نحوي تسأل بقلق: هل سنلتقي فعلاً ؟

لكن كيف وأنّى نلتقي وقد وصلني خبر استشهاده، وصعود روحه إلى السموات، بلا مقام ولا أثر، هكذا مضى أبو هايل بعد أن تم التحقيق معه، وأحيل لمحكمة ميدانية عسكرية حكمت عليه بالإعدام في سجن صيدنايا، ليرتقي الشاب المهندس الرقيق العذب الثائر المحب لثورته شهيداً، قبل أن يحقق حلمه بأن يبني وطناً صغيراً حراً ببلدته، لكن الاستبداد والديكتاتورية، أعدمت حلمه كما أعدمت روحه وجسده.

لك الله يا أبو هايل ... ووعداً أن ننفذ حلمك يوماً ونبني مشروعك، ونستذكر قامة وطنية رفضت الذل وطيب العيش والملذات وآثرت الكفاح لوطن جميل، سيزهر يوماً ويفوح من عبقك ... وداعاً أبا هايل وذكراك باقية.

 مروان العش / سياسي وكاتب سوري

مركز آفاق مشرقية

المادة المنشورة تعبر عن رأي الكاتب ولا يتبناها بالضرورة مركز آفاق مشرقية، ويتحمل الكاتب المسؤولية القانونية والعلمية لمضمون هذه المادة.

: تقييمك للمقال

التعليقات
يونس قاسم

كل الجرائم تزوي وتضمحل مع مرور الأيام ، إلاّ جرائم أل الضبع فهي تكبر مع الأيام ،وإننا لانعرف كم من السنين ستمضي وهي تكشف لنا عن جرائم ارتكبوها بحق سورية وشعبها .

| 0

من يونس قاسم

عاديا هاشم

أبو هايل ...عشرات الآلاف مثله الآن في غياهب التعذيب والموت البطيء عشرات الآلاف مثله قضوا ولم ندرِ قصصهم وأخرى أمثالها ...مجهولو المصير هذا النظام المجرم يفعل ما يفعل في ظل واستظلال وكلأ ودلال من حكومات العالم وتخاذل اصحاب القرار الدولي ولكن تكالب القتلة والمتخاذلين والمجرمين علينا يعطينا دليلا كل لحظة اننا على حق والف دليل انهم كلهم بالاجرام سواء استاذ مروان العش شكراً لانك مثال يُفخر به وان شا الله سنكمل المشوار ونحقق حلم ابو هايل تحية وتقدير رحم الله شهداءنا جميعاً وخلّصنا من كل الظالمين

| 0

من عاديا هاشم

اترك تعليقاً
1000
نشكر مساهمتكم والتعليق قيد المراجعة
حقوق النشر محفوظة لمركز آفاق مشرقية الذي يصرح بإعادة نشر المواد شرط الإشارة إلى مصدرها بعبارة "المصدر : مركز آفاق مشرقية" © 2017 Oriental Horizons. All Rights Reserved.